تعتبر تركيا واحدة من أبرز الأسواق العقارية الصاعدة التي تجذب اهتمام المستثمرين الأجانب. فهي دولة ذات تعداد سكاني يقارب 84 مليون نسمة واقتصاد يصنّف من بين أكبر 20 اقتصادًا عالميًا​، مما يوفر قاعدة طلب محلية ضخمة تدعم السوق العقاري. على مدى السنوات الأخيرة، شهدت تركيا تقلبات كبيرة في أسعار العقارات وحجم الطلب، لاسيما في المدن الكبرى. وفي هذه المقالة التحليلية سنستعرض التطورات التاريخية الأخيرة في السوق العقاري التركي – مع التركيز على إسطنبول وبورصة كأمثلة رئيسية – إلى جانب تحليل العوامل السياسية والاقتصادية المؤثرة، والفرص الاستثمارية الحالية، والمقارنة مع أسواق عقارية دولية مماثلة مثل دبي وإسبانيا واليونان، وأخيرًا التوجهات المستقبلية المتوقعة في هذا القطاع الحيوي. سنقدّم هذا التحليل بأسلوب رسمي مدعوم بالبيانات والمصادر الموثوقة لتكوين صورة شاملة للمزايا والتحديات التي تواجه المستثمر الأجنبي في السوق العقارية التركية.

نظرة تاريخية: تطور الأسعار والطلب في السنوات الأخيرة

إسطنبول: السوق الأكبر وزيادة هائلة في الأسعار والطلب

إسطنبول هي المحرك الرئيسي للسوق العقاري التركي بحكم كونها المدينة الأكبر سكانًا واقتصاديًا. خلال السنوات الأخيرة، شهدت إسطنبول طفرة ملحوظة في أسعار العقارات مدفوعة بمزيج من الطلب المحلي القوي والتضخم المالي وضعف العملة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار المساكن في إسطنبول بنحو 75% خلال عام واحد فقط في إحدى الفترات الحديثة، وبنحو 122% خلال عامين​ وهي زيادة غير مسبوقة تفوقت حتى على تراجع قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية في تلك الفترة. هذه الارتفاعات الكبيرة في الأسعار الاسمية جاءت مدفوعة بتهافت المشترين المحليين على العقار كملاذ آمن في ظل انخفاض قيمة العملة وارتفاع التضخم. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه عند تعديل هذه الأرقام بمراعاة التضخم المرتفع، يتبين أن النمو الحقيقي في الأسعار كان أقل بكثير، بل إن الأسعار انخفضت فعليًا بنحو 8.8% في إسطنبول خلال 2024 إذا قورنت بالقيمة الحقيقية المعدلة بالتضخم​ من جهة الطلب، حافظت إسطنبول على حصة الأسد من مبيعات العقارات السكنية في تركيا. ففي عام 2024 تم بيع حوالي 239,213 وحدة سكنية في إسطنبول وهو ما يمثل زيادة بحوالي 20.4% عن العام السابق​ مؤكّدًا استعادة الزخم بعد تباطؤ شهدته السوق في 2023. هذا الطلب القوي يجعل إسطنبول السوق الأكثر سيولة ونشاطًا، كما أنها الوجهة الأولى للمشترين الأجانب داخل تركيا تاريخيًا. وقد بلغ متوسط سعر المتر المربع في إسطنبول خلال عام 2024 نحو 55,500 ليرة تركية (حوالي 1,520 دولار)، مما يجعلها أعلى المدن التركية تكلفة في العقار السكني​ وإن ظلت أقل بكثير من مثيلاتها في مدن عالمية كبرى.

بورصة: نمو مستدام وسوق جاذب محليًا ودوليًا

بورصة، رابع أكبر مدينة تركية، تقدّم مثالًا لسوق إقليمي متنامٍ يجمع بين الجاذبية الاستثمارية والطابع المعيشي المتميز. شهدت بورصة زيادة تقارب 56% في أسعار العقارات خلال سنة واحدة في الفترة ذاتها التي شهدت فيها إسطنبول طفرتها​ كما نمت الأسعار بحوالي 103% خلال عامين، مما يدل على اتجاه صعودي قوي مدعوم بكل من الطلب المحلي والمشتريات الأجنبية (وإن كانت الأخيرة بنسبة أقل مقارنة بإسطنبول). وإلى جانب صعود الأسعار، شهدت بورصة ارتفاعًا في حجم المبيعات السنوية؛ فقد بيعت في عام 2024 حوالي 53,362 وحدة سكنية في بورصة بزيادة سنوية 17.5%​ ورغم أن بورصة تستحوذ على نحو 3.6% من إجمالي السوق التركي فقط​ فإن أهميةها تكمن في كونها مركزًا صناعيًا وسياحيًا في آن واحد – فهي معروفة بصناعات السيارات والنسيج، وبطبيعتها الخلابة (جبل أولوداغ ومنتجعاته) – مما يجعل عقاراتها جذابة للسكان المحليين ولعدد متزايد من المستثمرين الإقليميين. توفر بورصة عقارات بأسعار معقولة مقارنةً بإسطنبول، وبالتالي عوائد إيجارية نسبية مرتفعة؛ حيث يبلغ متوسط العائد الإجمالي للإيجار في بورصة نحو 7.4% سنويًا​ وهو معدل عائد منافس يعكس انخفاض كلفة العقار نسبياً مقابل مستوى الإيجارات.

مدن تركية أخرى: أنقرة وإزمير وأنطاليا

إلى جانب إسطنبول وبورصة، شهدت مدن تركية رئيسية أخرى تطورات مهمة في السوق العقاري خلال السنوات الأخيرة. في أنقرة – العاصمة السياسية وثاني أكبر مدينة – كان النمو العقاري قويًا كذلك، حيث تم بيع 134,046 وحدة سكنية في 2024 (+17.1% عن 2023)​مدفوعًا بالطلب المحلي خاصة مع انتقال عائلات الموظفين الحكوميين والقطاعات المرتبطة بالحكومة. أما إزمير، ثالث أكبر المدن وذات الطابع الساحلي في غرب البلاد، فقد سجلت 80,398 وحدة مباعة في 2024 (+22.8% سنويًا)​ مستفيدةً من جاذبيتها كمدينة تجمع بين الأعمال ورفاهية المعيشة على بحر إيجة. في أنطاليا – عاصمة السياحة التركية على المتوسط – بلغ عدد المبيعات 77,512 وحدة في 2024 بنمو 19.8%​ مما يعكس استمرار الطلب القوي محليًا ومن قبل المشترين الأجانب الباحثين عن منازل للعطلات أو الإقامة، رغم تراجع مشتريات الأجانب الإجمالي (كما سيُذكر لاحقًا). الجدول التالي يبين حجم المبيعات السكنية في بعض أبرز المدن التركية خلال عام 2024 مقارنة بالعام السابق:

المدينة عدد الوحدات المباعة (2024) نسبة التغير (2024/2023)
إسطنبول

239,213 وحدة

+20.4%

أنقرة

134,046 وحدة

+17.1%

إزمير

80,398 وحدة

+22.8%

أنطاليا

77,512 وحدة

+19.8%

بورصة

53,362 وحدة

+17.5%

 

يتضح أن جميع تلك المدن حققت نموًا مزدوج الرقم في حجم المبيعات خلال 2024، ما يشير إلى تعافي وانتعاش الطلب المحلي. وبالفعل عاد إجمالي المبيعات في تركيا للصعود إلى 1.48 مليون وحدة عام 2024 مقتربًا من مستويات الذروة التي شهدها عام 2020​ بعد أن كان 2023 أحد أبطأ الأعوام (حوالي 1.2 مليون وحدة فقط). هذا الانتعاش تحقق رغم تراجع إقبال المشترين الأجانب في 2023-2024، ما يعني أن الطلب المحلي كان المحرك الأساسي للسوق في الآونة الأخيرة.

 

التأثيرات السياسية والاقتصادية على السوق العقاري التركي

عرفت السوق العقارية التركية تقلبات حادة نتيجة عوامل سياسية واقتصادية شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة. كان سعر صرف الليرة في قلب هذه العوامل، حيث فقدت الليرة نسبة كبيرة من قيمتها على مدار عدة سنوات. فعلى سبيل المثال، تراجع سعر الصرف من 5.85 ليرة لكل دولار نهاية 2019 إلى نحو 18.66 ليرة نهاية 2022​ أي انخفاض بحوالي 69% خلال ثلاث سنوات. أدى هذا الانخفاض إلى نتيجتين متعاكستين: فمن جهة، أصبح العقار التركي أرخص بكثير للمستثمرين الأجانب الذين يتعاملون بالدولار أو اليورو، مما حفّز البعض على الشراء للاستفادة من السعر النسبي المنخفض. ومن جهة أخرى، زادت مخاطر سعر الصرف بالنسبة لهؤلاء المستثمرين، إذ قد تتآكل عوائدهم عند تحويلها للعملة الصعبة إذا استمر تراجع الليرة. أما التضخم فكان عاملًا جوهريًا آخر؛ فقد ارتفع معدل التضخم السنوي في تركيا إلى أرقام قياسية (>60% وسطياً في 2022-2023​)، مما دفع كثيرًا من المواطنين إلى الاستثمار في الأصول الثابتة كالعقار كوسيلة للتحوط وحفظ القيمة. هذا الطلب بهدف التحوط عزز ارتفاع الأسعار الإسمي كما رأينا، لكنه أيضًا أدى إلى تآكل القوة الشرائية وإلى انخفاض الأسعار الحقيقية للعقارات رغم ارتفاعها الكبير بالليرة (بسبب التضخم المفرط).

السياسة النقدية بدورها تركت بصمة واضحة على السوق العقاري. فبعد محاولة الانقلاب في 2016 والأزمة المالية في 2018، تبنّت السلطات فترة من أسعار الفائدة المنخفضة بشكل مصطنع لتحفيز الاقتصاد. وبلغ متوسط سعر الفائدة على قروض الإسكان مستوى متدنٍ قياسي عند 9.11% في منتصف 2020​ مما أطلق شرارة ازدهار ائتماني في سوق العقار آنذاك – حيث استفاد المشترون من القروض الرخيصة لاقتناء المنازل، فارتفعت المبيعات إلى مستوى تاريخي (1.5 مليون وحدة في 2020)​ لكن سرعان ما تراجع هذا التوجه مع اضطرار البنك المركزي لرفع الفائدة لكبح التضخم الجامح؛ وبحلول نهاية 2023 قفز متوسط سعر الفائدة على قروض الإسكان إلى نحو 42%​ مما جعل التمويل العقاري مكلفًا للغاية وأدى إلى انكماش حاد في المبيعات الممولة عبر البنوك (لم تتجاوز المبيعات الممولة بالرهن العقاري 11% من إجمالي المبيعات في 2024​). وهكذا، أصبح الطلب النقدي (الكاش) هو الأساس، حيث يعتمد السوق اليوم على المشترين ذوي الملاءة العالية أو على خطط التقسيط المباشرة من المطورين بدلاً من الرهن العقاري التقليدي. أيضًا لا يمكن إغفال العوامل السياسية والتشريعية ودورها في رسم ملامح السوق العقارية. في عام 2018، خفّضت الحكومة الحد الأدنى المطلوب للاستثمار العقاري للحصول على الجنسية التركية من $1 مليون إلى $250 ألف​ مما أدى إلى طفرة في شراء الأجانب للعقار التركي خلال 2019-2021 (حيث ارتفعت مبيعات الأجانب 43.5% في 2021 لتصل 58,576 وحدة​). تركيا أصبحت وجهة جذابة للمستثمرين الساعين لبرنامج المواطنة عبر الاستثمار بسبب هذا الحد المنخفض مقارنة بدول أخرى. لكن في منتصف 2022، وأمام الازدياد الكبير في الطلب الخارجي الذي رفع الأسعار، قررت السلطات رفع الحد الأدنى للحصول على الجنسية إلى $400 ألف​ هذا القرار، إلى جانب عوامل أخرى، أسفر عن انخفاض حاد في مشتريات الأجانب: فبعد أن بلغت مبيعات الأجانب ذروتها التاريخية عند 67,490 وحدة في 2022​ تراجعت إلى 35,005 في 2023 ثم إلى 23,781 فقط في 2024​ أي انخفضت إلى ثلث ما كانت عليه قبل عامين. وبذلك هبطت حصة المشترين الأجانب إلى نحو 1.6% فقط من إجمالي السوق في 2024 بعد أن كانت 4.6% في 2022​ من التغييرات القانونية الأخرى التي أثّرت على السوق قرار رفع الحد الأدنى للاستثمار العقاري المطلوب للحصول على الإقامة (دون جنسية) إلى $200 ألف اعتبارًا من أواخر 2023​ بعدما كان $75 ألف في المدن الكبرى سابقًا – وذلك في محاولة لضبط موجة الأجانب القادمين للإقامة عبر شراء عقارات منخفضة القيمة. كما فُرضت ضريبة على المساكن الفاخرة اعتبارًا من 2021 على العقارات التي تزيد قيمتها عن 5.25 مليون ليرة​ بنسبة تصاعدية (0.3%–1.0% على الشرائح الأعلى) للحد من المضاربة في الشريحة العليا​ كل هذه الإجراءات التشريعية ساهمت في تهدئة السوق وكبح الأنشطة المضاربية إلى حد ما​ مما جعل النمو أكثر استدامة لكنه قلّل من وتيرة الطلب الأجنبي في المدى القصير.

أما العوامل الجيوسياسية فقد كان لها تأثير مزدوج. فمن جهة، عدم الاستقرار الإقليمي (مثل الحرب في سوريا في العقد الماضي) أوجد تحديات أمنية لفترة أثرت سلبًا على ثقة بعض المستثمرين في 2015-2016. ومن جهة أخرى، الأزمات الدولية ساهمت أحيانًا في جذب طلب جديد إلى تركيا؛ فالحرب الروسية الأوكرانية (2022) دفعت الكثير من الروس والأوكرانيين للبحث عن ملاذ آمن للاستثمار والمعيشة، وكانت تركيا – وخاصة أنطاليا وإسطنبول – خيارًا رئيسيًا لهم. وبالفعل تصدّر المستثمرون الروس قائمة مشتري العقارات الأجانب في تركيا عام 2024 بحصة تفوق 20% من مشتريات الأجانب​ تلاهم الإيرانيون (9%) ثم الأوكرانيون (6.8%)​ هذا التدفق المفاجئ استدعى حتى قيام بنوك تركية بفتح حسابات بالروبل الروسي لتسهيل معاملات هؤلاء العملاء​ لكن تجدر الإشارة إلى أن هذه الموجة الأجنبية تم احتواؤها جزئيًا عبر رفع متطلبات الجنسية كما ذكرنا، مما يعني أنها قد لا تستمر بالزخم نفسه مستقبلًا. أخيرًا، شهد مطلع 2023 كارثة الزلزال الكبرى في جنوب تركيا والتي، رغم أنها لم تضرب إسطنبول مباشرة، إلا أنها أثرت في تفضيلات المشترين؛ حيث ازداد الوعي بأهمية معايير البناء المقاوم للزلازل. ومن المتوقع أن تدفع هذه الحادثة نحو تسريع مشاريع إعادة الإعمار العمراني في إسطنبول وغيرها لاستبدال المباني القديمة بأخرى حديثة آمنة، مما يخلق نشاطًا عقاريًا في بعض الأحياء ويعيد توزيع الطلب نحو المشاريع الجديدة ذات المواصفات الإنشائية الأفضل.

باختصار، تأثرت السوق العقارية التركية بعوامل سياسية واقتصادية متشابكة: انخفاض العملة والتضخم ساهما في رفع الأسعار الإسمية وجذب بعض الاستثمارات الأجنبية، لكنهما حملا مخاطر على قيمة العوائد الحقيقة. السياسات الحكومية بتيسير أو تقييد التمويل والاستثمار الأجنبي أدت إلى دورات ازدهار وتباطؤ متعاقبة. ورغم هذه التقلبات، بقي الاتجاه العام للعقار التركي إيجابيًا على المدى الطويل بفضل العوامل الديموغرافية والاقتصادية الأساسية الداعمة للطلب.

الفرص الاستثمارية الحالية في السوق التركي

على الرغم من التحديات المذكورة، لا يزال السوق العقاري التركي يوفر للمستثمرين الأجانب العديد من الفرص الجذابة، سواء في المشاريع الحديثة أو العقارات الفاخرة أو حتى القطاعات المتخصصة. وفيما يلي أبرز ملامح الفرص الحالية:

  • مشاريع البنية التحتية والتنمية الحضرية الكبرى: تشهد تركيا عمومًا وإسطنبول خصوصًا تنفيذ مشاريع ضخمة من شأنها رفع قيم المناطق المحيطة بها. على سبيل المثال، مطار إسطنبول الجديد الذي افتتح في 2019 (أحد أكبر مطارات العالم) أدى إلى نهضة عمرانية في المناطق الشمالية من إسطنبول المحيطة به. المستثمرون الذين التقطوا الفرص في مناطق مثل أرناؤوط كوي وباشاك شهير القريبة استفادوا من ارتفاع الأسعار مع تحسن الطرق والخدمات هناك. كذلك، إطلاق مشروع مركز إسطنبول المالي الدولي في منطقة أتاشهير بالجانب الآسيوي خلق محورًا جديدًا للمباني المكتبية والشقق الفاخرة، ويتوقع أن يجذب شركات إقليمية ويزيد الطلب على العقارات التجارية والسكنية الراقية في محيطه. وفي الأفق الأبعد، يظل مشروع قناة إسطنبول المخطط (وهو قناة بحرية موازية لمضيق البوسفور) عاملًا مضاربيًا يترقبه البعض؛ فقد ارتفعت أسعار الأراضي على مساره المتوقع بشكل كبير في السنوات الأخيرة توقعًا لتنفيذه، مما يمثل فرصة عالية المخاطر/العائد لمن يراهنون على إتمام المشروع مستقبلاً.(وإن كانت المواقع المميزة أغلى من ذلك بكثير). هذا يعني أن المستثمر الأجنبي يمكنه امتلاك عقار فاخر في مدينة عالمية بتكلفة معقولة نسبيًا، مع التمتع بفرصة ارتفاع في القيمة مع الوقت. إضافة إلى ذلك، مناطق المنتجعات السياحية على البحر المتوسط وبحر إيجة – مثل أنطاليا، ألانيا، بودروم، فتحية وغيرها – تقدّم فرصة للاستثمار في عقارات العطلات. فتركيا مقصد سياحي عالمي (استقبلت عشرات الملايين من الزوار عام 2023) مما يتيح للمستثمر تحقيق دخل من تأجير هذه العقارات للسياح في المواسم. وقد ازداد الإقبال على الفلل والشقق الفندقية في تلك المناطق مع بروز توجه العمل عن بعد عالميًا، حيث بات العديد من الأجانب يرغبون في الإقامة المطولة في مدن مشمسة منخفضة التكلفة نسبياً. هذا الطلب المتنامي يجعل الاستثمار في عقار سياحي للإيجار القصير الأجل ذا عائد جيد، إذ بلغ متوسط العائد الإيجاري في أنطاليا حوالي 5.7% سنويًا​ مع إمكانية أعلى في المواسم السياحية.. هذه النسبة تفوق مثلاً العوائد في مدن جنوب أوروبا السياحية أو في وسط أوروبا. وفي مدن أخرى: أنقرة (~8.3%​)، إزمير (~7.1%​)، بورصة (~7.4%​). هذه الأرقام تبرز جاذبية الاستثمار التأجيري في تركيا، خاصة وأن الضرائب على دخل الإيجار للأجانب ليست مرتفعة نسبيًا ويُمكن إدارتها وفق اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي. إضافة إلى ذلك، تكاليف التملك ونقل الملكية في تركيا معتدلة – فإجمالي رسوم التسجيل والدمغة وغيرها حوالي 3-4% من قيمة العقار فقط​، وهي تكاليف أدنى مما هي عليه في كثير من الدول الأوروبية. كذلك لا توجد ضريبة سنوية عالية على العقارات؛ إذ تبلغ ضريبة الأملاك السنوية حوالي 0.2% فقط من قيمة العقار للمساكن في المدن الكبرى، ما يعني تكلفة احتفاظ منخفضة على المدى البعيد. كل هذه العوامل تمكن المستثمر من تحقيق صافي عائد أعلى مقارنة بأسواق منافسة. هذه الإقامة تتيح العيش والاستفادة من مناخ تركيا الاستثماري والسياحي بدون تعقيدات تأشيرة طويلة الأمد. إن الجمع بين العائد الاستثماري وفرصة الإقامة/الجنسية يمنح الاستثمار العقاري في تركيا بعدًا إضافيًا من الجدوى، خصوصًا للمستثمرين من دول تعاني بعض التقييدات على سفر مواطنيها، ما جعل تركيا وجهة مفضلة مثلاً لمستثمرين من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى خلال العقد الماضي.

بالإضافة إلى ما سبق، هناك قطاعات عقارية فرعية تحمل فرصًا خاصة. العقار التجاري والمكتبي في إسطنبول قد يشهد انتعاشًا مع استقرار الاقتصاد وعودة الشركات الأجنبية للإستثمار بعد فترة من الحذر، وإن كان المعروض من المكاتب حاليًا مرتفعًا نسبيًا مما يبقي الأسعار متماسكة بدون ارتفاع كبير. القطاع الصناعي واللوجستي يبدو واعدًا مع تحول تركيا لمركز تصنيع إقليمي؛ فزيادة نشاط التجارة الإلكترونية والتصدير أدت إلى ارتفاع الطلب على المستودعات ومجمعات التخزين بالقرب من إسطنبول ومدن الأناضول الصناعية، مما قد يحقق عوائد جيدة للمستثمرين المؤسساتيين في هذا المجال. كذلك، مشاريع التجديد الحضري التي تدعمها الحكومة (مثل حملة بناء مئات الآلاف من المساكن الجديدة لاستبدال القديمة ضمن خطة التحول العمراني) قد تتيح فرصًا للشراكة مع مطورين محليين أو للاستثمار في شركات التطوير العقاري المدرجة في البورصة لتحقيق عوائد من الطفرة الإنشائية المقبلة.

مقارنة دولية: تركيا مقابل دبي وإسبانيا واليونان في العائد والقوانين والطلب الأجنبي

للتقييم الدقيق لجاذبية الاستثمار العقاري في تركيا، من المفيد إجراء مقارنة مع أسواق عقارية أخرى تحظى باهتمام المستثمرين الدوليين، مثل دبي في الخليج وإسبانيا واليونان في جنوب أوروبا. فيما يلي مقارنة تحليلية لأهم الجوانب:

العائد الاستثماري (نمو الأسعار والعائد الإيجاري)

تقدم تركيا عمومًا مزيجًا من العوائد الرأسمالية والإيجارية الجيدة للمستثمر. فقد حققت أسعار العقارات نموًا اسميًا مرتفعًا جدًا في الفترة الأخيرة (كما أسلفنا، تضاعفت تقريبًا بين 2020 و2022) وإن كان النمو الحقيقي أقل بسبب التضخم. وعلى المدى الطويل، يتوقع أن تستمر الأسعار بالارتفاع بنسبة صحية مدعومة بالطلب المحلي القوي متى ما أصبح التضخم تحت السيطرة. أما العائد الإيجاري في تركيا (حوالي 7%–8% في المدن الكبرى​) فيعد مرتفعًا مقارنة بالمعايير العالمية. في دبي، تشتهر السوق العقارية أيضًا بعوائد إيجارية مرتفعة تقارب 6%–8% وسطياً في السوق الحالية – كانت نحو 9.2% في عام 2021​ وهي من الأعلى عالميًا بفضل عدم وجود ضرائب على الدخل العقاري وارتفاع الطلب على الإيجار من قبل الوافدين. كما شهدت دبي في 2021-2023 ارتفاعًا قويًا في الأسعار (بنسبة 15–20% سنويًا في بعض المناطق​) مدفوعًا بتدفق رؤوس الأموال العالمية، لكن سوقها historically أكثر تقلبًا مع دورات صعود وهبوط واضحة خلال العقدين الأخيرين. في إسبانيا، العوائد الإيجارية متوسطة بحدود 4%–6% بحسب المدينة​ فعلى سبيل المثال يبلغ متوسط العائد في السوق الإسبانية نحو 5.6%​ وأسعار العقارات هناك تنمو بوتيرة معتدلة بضع نقاط مئوية سنويًا في السنوات الأخيرة، بعد التعافي من أزمة 2008. الاستثمار العقاري في إسبانيا يعتبر منخفض المخاطر نسبيًا لكنه أيضًا ذو عوائد أقل من تركيا ودبي. اليونان بدورها شهدت انتعاشًا في أسعار العقارات بعد عقد من الركود، مع زيادة في بعض المناطق (أثينا حققت نموًا ملحوظًا منذ 2018). العائد الإيجاري في اليونان حوالي 4%–5% وسطياً​ أي أقل من تركيا ودبي ومقارب لإسبانيا. لكن تتميز اليونان وإسبانيا بأن نمو الأسعار مستقر نسبيًا على المدى الطويل وفي إطار العملة الصعبة (اليورو)، مما يقلل مخاطر التقلبات الحادة التي نراها في تركيا (بسبب التضخم وسعر الصرف) أو في دبي (بسبب الدورات النفطية والاعتماد الكبير على المستثمرين العالميين).

 

البيئة القانونية والتشريعية للمستثمرين الأجانب

في هذا الجانب، توفر تركيا وإسبانيا واليونان جميعها حقوق تملك كاملة (تملّك حر) للأجانب دون قيود تذكر (باستثناء بعض المناطق العسكرية أو الحدودية في تركيا). تركيا تميزت بمنح المواطنة مقابل الاستثمار كما ذكرنا، وهو حافز تشريعي قوي لا يتوفر في إسبانيا واليونان (اللتان تقتصران على الإقامة الذهبية دون جنسية). في تركيا، إجراءات شراء العقار للأجنبي واضحة وموحّدة؛ يمكن إتمام الشراء وتسجيل الطابو خلال أيام معدودة بشرط وجود مترجم محلف، ولا تشترط أي موافقات أمنية مطوّلة في معظم الحالات. الضرائب عند الشراء معتدلة (~4% ضريبة نقل الملكية)​ كما يُعفى المستثمر الأجنبي من ضريبة القيمة المضافة (VAT) على شراء أول عقار جديد إذا تم الدفع بعملة أجنبية والاحتفاظ به لعامين – وفق قوانين تشجيع الاستثمار المطبقة منذ 2017. أيضًا من المزايا الضريبية في تركيا إعفاء أرباح بيع العقار من ضريبة الأرباح الرأسمالية إذا احتفظ به المستثمر لمدة 5 سنوات، مما يشجع على الاستثمار طويل الأمد. في المقابل، إسبانيا لديها برنامج "التأشيرة الذهبية" للإقامة مقابل استثمار عقاري بقيمة لا تقل عن 500 ألف يورو​ يمنح المستثمر وعائلته حق الإقامة في إسبانيا والتنقل في أوروبا، لكنه لا يقود مباشرة للحصول على الجنسية إلا بعد سنوات عديدة من الإقامة المستمرة. إجراءات الشراء في إسبانيا محكومة بأنظمة شفافة لكنها قد تكون بيروقراطية نسبياً (تستلزم توكيل محامي، والحصول على رقم NIE للأجانب، إلخ). الضرائب على شراء العقار في إسبانيا أعلى – فهناك ضريبة انتقال ملكية أو VAT بنسبة حوالي 10% حسب الإقليم، إضافة لرسوم كاتب العدل والتسجيل التي قد تصل بإجمالي التكلفة الإجرائية إلى 12-15%. كذلك هناك ضريبة سنوية على العقار (IBI) تختلف حسب البلدية (تقريبًا 0.3%-0.5% من القيمة) وضريبة على دخل الإيجار (لغير المقيمين حوالي 24% من الدخل الإجاري). هذه التكاليف تقلل صافي عائد المستثمر. اليونان أيضًا لديها برنامج الإقامة الذهبية وكان الأكثر جذبًا في أوروبا لفترة بسبب تدني الحد المطلوب (€250 ألف فقط)؛ وقد أدى ذلك إلى تدفق كبير من المستثمرين الأجانب (خصوصًا من الصين والشرق الأوسط) للاستفادة منه، مما ضخ أكثر من 4.47 مليار يورو في العقار اليوناني منذ 2022 عبر البرنامج​ تم رفع الحد المطلوب مؤخرًا إلى €500 ألف في أثينا وبعض المناطق​. البيئة القانونية في اليونان تحمي المستثمر الأجنبي لكنها تعاني أحيانًا من بطء الإجراءات خاصة في تسجيل الملكيات والتراخيص. الضرائب على الشراء هناك حوالي 3% (ضريبة انتقال) + تكاليف أخرى تصل الإجمالي إلى 7-8%، مع ضريبة أملاك سنوية (ENFIA) بنسبة حوالي 0.1%-0.3% من القيمة. أما دبي فتمثل حالة خاصة: فهي سوق دولية تمامًا حيث غالبية المستثمرين من غير المواطنين. تسمح الإمارات للأجانب بالتملك الحر في مناطق مخصصة (Freehold Areas) في دبي. لا تفرض دبي أي ضرائب سنوية على العقار أو على دخل الإيجار إطلاقًا​ مما يمنحها ميزة تنافسية كبيرة. الرسوم تقتصر على رسم التسجيل (نحو 4% من الثمن) ورسوم الخدمات والصيانة التي يفرضها المطور أو اتحاد المُلّاك سنويًا. كما تقدم دبي إمكانية الحصول على إقامة طويلة (5 أو 10 سنوات) للمستثمرين العقاريين وفق شرائح استثمار تبدأ من حوالي 750 ألف درهم ($200 ألف) للإقامة لـ5 سنوات، وتصاعديًا حتى 2 مليون درهم للحصول على تأشيرة ذهبية 10 سنوات​ لكن دبي لا تمنح الجنسية للمستثمرين مهما كان حجم استثمارهم، بخلاف تركيا. عمومًا، البيئة القانونية في دبي شديدة الجاذبية للمستثمر من زاوية التكاليف المنخفضة والوضوح والتنظيم العالي للسوق (أنظمة تسجيل إلكترونية حديثة وإجراءات سريعة)، ما جعلها ملاذًا استثماريًا عالميًا.

حجم الطلب الأجنبي ومصدره

من المهم للمستثمر الأجنبي معرفة مستوى المنافسة أو المشاركة الأجنبية في السوق المستهدف. في تركيا، كما ناقشنا، يشكل الأجانب نسبة صغيرة من السوق (أقل من 5%) وقد انخفضت مؤخرًا إلى نحو 1.6%​ بسبب قيود الجنسية وارتفاع قيمة الدولار مما جعل بعض العقارات أغلى على جنسيات معتادة (كالعراقيين والإيرانيين) بعملاتهم المحلية. ورغم ذلك تبقى تركيا جاذبة لموجات محددة من المستثمرين الأجانب وفق الظروف (مثال: influx الروس خلال 2022-2023). تاريخيًا كان مواطنو الشرق الأوسط (العراق، إيران، دول الخليج) الأكثر شراءً للعقار التركي، إضافة إلى الروس والأوروبيين بدرجة أقل​ التركيز الجغرافي لهؤلاء المستثمرين كان في إسطنبول بالدرجة الأولى ثم في أنطاليا ومدن ساحلية، مع تواجد محدود في بورصة ويلوا (خاصة من قبل مستثمرين عرب لأغراض الاصطياف). على الجانب الآخر، دبي تكاد تكون سوقًا عقارية دولية بالكامل – فالطلب الأجنبي ليس مكملًا بل هو الأساس. نسبة كبيرة جدًا (تقديرات تزيد عن 80%) من مشتري العقارات في دبي هم أجانب أو مقيمون غير إماراتيين، من أبرز الجنسيات المستثمرين الهنود والبريطانيين والروس والصينيين. هذا يجعل سوق دبي حساسًا للتغيرات في الشهية الاستثمارية العالمية: عند وفرة السيولة عالميًا أو وجود اضطرابات في مناطق معينة، يتدفق المستثمرون إلى دبي، والعكس صحيح. حاليًا، دبي تشهد طلبًا أجنبيًا قويًا وتحطيمًا للأرقام القياسية في الصفقات​ مستفيدة من مكانتها كمدينة آمنة ومستقرة مالياً في بيئة عالمية مضطربة. إسبانيا تتمتع أيضًا بطلب أجنبي قوي ومستقر: حيث يشكل المشترون الأجانب نحو 10-20% من المعاملات العقارية سنويًا (مثلاً شكلوا 20.4% من المشتريات في النصف الأول من 2024​). يتركز هؤلاء في المناطق الساحلية (كوستا ديل سول، levant) والجزر ومدينتي مدريد وبرشلونة. الجنسيات الأكثر شراءً في إسبانيا تاريخيًا: البريطانيون (لا سيما قبل بريكست) والأوروبيون الشماليون (ألمان، سويديون) بحثًا عن منازل العطلات والشمس، مؤخرًا انضم الأمريكيون والآسيويون الأثرياء للاستفادة من انخفاض اليورو​هذه القاعدة العريضة من الطلب الأجنبي أعطت السوق الإسبانية دعمًا مستمرًا حتى في فترات الركود المحلي. اليونان بدورها شهدت صعودًا كبيرًا في الطلب الأجنبي بفضل برنامج التأشيرة الذهبية بين 2018-2023. لدرجة أن نحو نصف حجم الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) الداخل إلى اليونان في 2023 كان في قطاع العقارات​ تركز الطلب الأجنبي في أثينا (المستثمرون الصينيون والشرق أوسطيون لشراء شقق العاصمة)، وفي الجزر السياحية (الأوروبيون والأمريكيون على منازل العطلات). وبسبب الارتفاع الكبير في 2022-2023 (تقدم حوالي 8,500 مستثمر أجنبي للحصول على التأشيرة الذهبية اليونانية في 2023 وحدها​)، رفعت الحكومة المتطلبات، مما قد يُبطئ قليلاً من وتيرة الطلب الأجنبي ابتداءً من 2024 لكنه يظل مكونًا رئيسيًا للسوق هناك. بالمقارنة، السوق التركي يعتمد بالأساس على الطلب المحلي كما ذكرنا، ويمكن اعتبار المشتري الأجنبي في تركيا مستفيدًا من كون المنافسة أقل من وجهات أخرى مزدحمة بالمستثمرين الدوليين. هذا قد يعني فرصًا للحصول على أسعار أفضل أو عقارات مميزة بدون مزايدات شديدة. لكن بنفس الوقت، انخفاض الوزن النسبي للأجانب يجعل التأثير على السوق من ناحية خروجهم أو دخولهم محدودًا؛ أي أن السوق التركية قد لا تتأثر كثيرًا بانسحاب المستثمرين الأجانب (كما حدث في 2023 حيث عوّض الطلب المحلي ذلك وتجاوزت المبيعات الكلية الانخفاض في مشتريات الأجانب​). بالنسبة للمستثمر الأجنبي الفردي، هذا الواقع يعني أنه عليه التركيز على الطلب المحلي عند تحليل جدوى استثماره في تركيا (مثلاً اختيار موقع مرغوب محليًا للتأجير وإعادة البيع)، وليس فقط المواقع التي تقليديًا تجذب الأجانب.بشكل عام، تظهر المقارنة أن تركيا توفر عائدًا استثماريًا مرتفعًا مع تكاليف تملك منخفضة وإطار قانوني مشجع (خاصة مع ميزة الحصول على الجنسية)، يقابل ذلك مخاطر أعلى نسبيًا مرتبطة بالعملة والتضخم. أما دبي فتوفر استقرار العملة وبيئة معفاة من الضرائب مع عائد جيد، لكن أسعارها أعلى نسبيًا وتقلباتها محتملة بحسب الظروف العالمية. وإسبانيا واليونان توفران استقرارًا وقوة في العملة (اليورو) وقواعد قانونية راسخة، لكن بعوائد أقل وبيروقراطية أعلى إلى حد ما. قرار المستثمر يعتمد على شهيته للمخاطرة والعائد: فتركيا قد تكون مناسبة لمن يستهدف نموًا عاليًا وعوائد إيجارية كبيرة ومستعد لتحمل المخاطر الاقتصادية، بينما الأسواق الأوروبية مناسبة لمن يفضل الاستقرار طويل الأجل بعائد أقل، ودبي في الوسط مع مزيج خاص بها من الميزات.

 

توجهات مستقبلية: المناطق الصاعدة والقطاعات الأكثر نموًا

نلقي أخيرًا نظرة نحو المستقبل لاستشراف مسار السوق العقاري التركي خلال السنوات القادمة وأين يمكن أن تتجه الفرص والنمو:

  • استقرار الاقتصاد ومكافحة التضخم: يُجمع المحللون على أن تحقيق استقرار اقتصادي كلي سيكون المفتاح لعودة الزخم الكامل للسوق العقارية التركية. فمع التغيير الأخير في السياسات الاقتصادية وعودة البنك المركزي لرفع الفائدة لكبح التضخم، يُتوقع انخفاض معدل التضخم السنوي إلى مستويات أكثر اعتيادًا خلال 2025 وما بعدها. انخفاض التضخم واستقرار الليرة يعنيان أن الارتفاع في أسعار العقارات – إن حصل – سيكون نموًا حقيقيًا يعكس زيادة الطلب والقيمة وليس مجرد تضخم نقدي. وهذا سينعكس إيجابًا على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء. كما أن استقرار الليرة سيجعل حسابات المستثمر الأجنبي أكثر يقينًا ويخفف من تقلبات العائد المحقق عند تحويله للعملات الصعبة. على صعيد أسعار الفائدة، ورغم بقائها مرتفعة حاليًا، فهناك توقعات بخفضها تدريجيًا بمجرد السيطرة على التضخم؛ أي قد نشهد خلال 2025-2026 إعادة توفير قروض عقارية بشروط ميسرة أكثر. وإذا تحقق ذلك، فسيكون محفزًا قويًا لدورة صعودية جديدة في المبيعات والأسعار مدفوعة بالطلب المكبوت الذي تأجل بسبب كلفة التمويل العالية.

  • المناطق الصاعدة داخل إسطنبول: من المرجح أن تستمر إسطنبول في كونها قاطرة النمو العقاري في تركيا، لكن مع تباينات بين مناطقها. فمن المتوقع أن تشهد المناطق الخارجية قيد التطوير نموًا أكبر من قلب المدينة التاريخي. على سبيل المثال، مناطق في الشطر الأوروبي الشمالي مثل باشاك شهير ومحيط مطار إسطنبول الجديد ستبقى في دائرة الاهتمام، مع استكمال خطوط المواصلات الجديدة (مترو باسن اكسبرس مثلاً) ومجمعات سكنية حديثة تلبي需求 العائلات المتوسطة والعليا. كذلك على الجانب الآسيوي، مناطق مثل سنغق تبه وعمرانية المحاذية لمركز المال الجديد قد ترى ارتفاعًا في الطلب على الشقق الحديثة مع انتقال موظفي الشركات المالية إليها. كما أن ضواحي آسيوية مثل كارتال وبنديك استفادت من خطوط المترو الساحلية الجديدة مما يقصر زمن الوصول إلى وسط إسطنبول، فازدادت جاذبيتها للسكن بأسعار معقولة؛ هذه المناطق ينتظر أن تحقق ارتفاعًا في الأسعار فوق المتوسط نظرًا لبدء اكتشافها من قبل شرائح أوسع من الطبقة الوسطى. بالمقابل، المناطق التاريخية وسط المدينة (مثل بكركوي، شيشلي، كاديكوي) ستظل مطلوبة لكنها قد تشهد تجديدًا للعروض عبر مشاريع التجديد الحضري – حيث تهدف بلدية إسطنبول إلى إعادة تطوير العديد من المباني القديمة غير المقاومة للزلازل. هذا يعني فرصًا استثمارية في مشاريع الهدم والبناء (tear-down and rebuild) للشركات والمستثمرين الذين بمقدورهم الدخول في شراكات مع الملاك المحليين لإعادة بناء عمارات سكنية جديدة. من جهة أخرى، ورغم صعوبة التنبؤ، فإن مخطط قناة إسطنبول إذا بدأ تنفيذه سيخلق شريطًا عمرانيًا جديدًا تمامًا على امتداد القناة المقترحة، وقد تتحول مناطق مثل أرناؤوط كوي وجاتالجا من ضواحي ريفية إلى مراكز عمران حديثة بمشاريع ضخمة – مما يمثل احتمال ازدهار مستقبلي كبير لتلك المناطق خلال عقد أو أكثر.نتيجة تحولها لمقصد بديل للسكن للعديد ممن انتقلوا من مناطق الزلزال في الجنوب الشرقي. مرسين تمتلك ميناءً دوليًا وصناعات وتشهد بناء مجمعات سكنية حديثة، وقد تجذب اهتمامًا أكبر من المستثمرين في السنوات المقبلة مع تحسين بنيتها التحتية.

  • القطاعات العقارية الأكثر نموًا: يُنتظر أن يكون القطاع السكني (الشقق والوحدات السكنية) هو القاطرة الأساسية للسوق التركي مدفوعًا باستمرار نمو عدد السكان وحاجة شريحة الشباب المتزاوجين للسكن. ضمن هذا القطاع، قد تتفوق الشقق الصغيرة والمتوسطة في المواقع ذات المواصلات الجيدة على غيرها في نسبة زيادة الأسعار والطلب، حيث تصبح القدرة الشرائية محددة أكثر في ظل أسعار الفائدة المرتفعة. قطاع المكاتب ربما يشهد تحولًا نوعيًا أكثر منه نموًا كميًا؛ فمع تجربة العمل عن بعد، يتجه المطورون لتقديم مساحات مكتبية مرنة ومجمعات عمل مشتركة ضمن مشاريع متعددة الاستخدام، بدلاً من الأبراج المكتبية التقليدية فقط. قطاع المخازن واللوجستيات يُرجح أن يواصل توسعه مع تحول تركيا لممر تجاري مهم بين أوروبا وآسيا (خاصة إذا ازداد نقل سلاسل الإمداد الأوروبية قرب الحدود – ما يسمى بـNearshoring – ستستفيد تركيا من إقامة مزيد من مراكز التخزين والتوزيع). أيضًا العقار الصحي والتعليمي (كالمستشفيات الخاصة والجامعات) شهد اهتمامًا من المستثمرين الدوليين في تركيا مؤخراً ومن المتوقع نموه نظرًا لتحول تركيا إلى مركز إقليمي في السياحة العلاجية والتعليم العالي. أما القطاع الفندقي، فيتوقع أن يستمر انتعاشه مع تعافي السياحة بالكامل بعد الجائحة ووصولها لأرقام قياسية جديدة – مما قد يجعل الاستثمار في الفنادق أو الشقق الفندقية (condo-hotels) مجديًا في المدن السياحية.

  • دور الحكومة والتنظيم: من المرجح أن تواصل الحكومة التركية دعمها لقطاع الإنشاء والعقار باعتباره محركًا اقتصاديًا رئيسيًا. سيتم التركيز على مشاريع الإسكان الاجتماعي الضخمة التي أُعلن عنها (مثل خطة بناء مئات الآلاف من الوحدات لذوي الدخل المحدود) والتي تهدف لتلبية الطلب الاجتماعي وضبط أسعار الإسكان الشعبي. ورغم أن هذه المشاريع غير موجهة مباشرة للمستثمر الأجنبي، إلا أنها تساهم في زيادة نشاط قطاع البناء وتوفير فرص لشركات المقاولات والموردين قد تكون مجالًا غير مباشر للاستثمار. وفي الوقت ذاته، يُتوقع استمرار نهج التنظيم المعتدل لسوق الأجانب – أي لا يتوقع فرض قيود إضافية شديدة على شراء الأجانب (بعد رفع حد الجنسية والإقامة)، بل ربما على العكس قد تُطرح حوافز جديدة إذا رأت الحكومة حاجة لجذب العملة الصعبة، مثل منح تسهيلات ضريبية أو إعادة النظر في شروط برنامج الجنسية لجعله أكثر مرونة. كما أن التنظيمات المتعلقة بالسلامة الإنشائية ستأخذ حيزًا أكبر (دروس زلزال 2023)، مما يعني أن المطورين سيلتزمون بمعايير أعلى – وهذا يرفع التكلفة قليلًا لكنه يزيد ثقة المشترين بالعقارات الجديدة. وقد يكون هناك إعادة تقييم لقيم الضرائب العقارية مع التضخم (مثلاً رفع عتبة قيمة المسكن الخاضع لضريبة الرفاهية لتتناسب مع الأسعار الجديدة).

في المحصلة

تبدو الآفاق المستقبلية للسوق العقاري التركي إيجابية بحذر. فبرغم التحديات الاقتصادية، هناك أساس قوي يستند إليه هذا السوق: نمو سكاني مستمر، توسع حضري، وموقع جغرافي استراتيجي يجذب كلًا من المستثمر المحلي والأجنبي. المدن الكبرى وعلى رأسها إسطنبول ستظل مركز الثقل مع استمرار تحديث بنيتها التحتية واستقطابها للاستثمارات، والمدن الأخرى ستساهم بشكل متزايد في النمو العام. بالنسبة للمستثمر الأجنبي، تركيا ستبقى وجهة واعدة تمكن من تحقيق عوائد عالية وتنويع المحفظة العقارية جغرافيًا، بشرط اتباع نهج مدروس يأخذ في الحسبان اعتبارات المخاطرة كالعملة والتشريعات المتغيرة. ومع انفتاح تركيا المتزايد على الأسواق الدولية وسعيها للحفاظ على توازن ما بين جذب الاستثمار وضبط التضخم، يُمكن للمستثمرين توقع درجة أعلى من الاستقرار في المناخ الاستثماري خلال السنوات القادمة. إسطنبول ستبقى في الصدارة بخياراتها المتعددة من الاستثمار السكني والتجاري، تليها بورصة كخيار يجمع بين الصناعة والسياحة، بالإضافة إلى أنطاليا وإزمير وغيرها كمراكز إقليمية مهمة. بهذه الرؤية الشاملة، يمكن للمستثمر الأجنبي اتخاذ قرارات أكثر وعيًا بخصوص الدخول في السوق العقاري التركي والانتفاع من فرصه الواعدة، مع إدراك واضح للمخاطر والتحديات المصاحبة والتخطيط للتعامل معها بفعالية.